أحمد بن أعثم الكوفي

193

الفتوح

فما الدين كالدنيا ولا الطعن كالمني * ولا الضر كالسرا ولا الليث ثعلبا قال : وهم المغيرة بن المهلب أن يتبع الأزارقة ، فأرسل إليه أبوه : أن يا بني لا تعجل وذر القوم فوجه منهزمين ( 1 ) فيها ولا تجرحهم ، فإن الكلب إذا جرحته عقر ! قال : فقبل المغيرة ما أمر به المهلب ورجع إلى تستر فنزلها . قال : وأقبل إليه أخوه يزيد بن المهلب في خيل عظيمة . قال : ومضت الأزارقة حتى ساروا إلى سابور من أرض فارس ، فنزلوها وغلبوا عليها وجبوا أموالها وخففوا عن أهلها المؤنة ، وسار إليهم المهلب في جيشه ، وبلغهم ذلك فمضوا إليه حتى أدركوه بموضع يقال له النوبندجان ( 2 ) . ذكر خطبة المهلب قبل الوقعة قال : فلما عاين القوم بعضهم بعضا واصطفت الخيلان ، قام المهلب في أصحابه خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! أكرموا هذه الخيل ، فإنها تنفعكم غدا عند اللقاء ، فأجلوا السلاح لتقاتلوا به الأعداء ، وأحسنوا حمله لتنظروا يوم الوغى ، وتعلموا القتال لتنصروا به مخارج الحياة ، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل ، ولا تعالوا في السيوف فإنها مأمورة ، واتخذوها فإنها شفار ، وعيروا الجبان بالجبن حتى يقاتل ، ولا تقولوا : الحين يحثه ( 3 ) ، ولم يفر قوم قط إلا وهنوا وإن كان رأيهم حازما ، وليس كل عاد يرجع ولا كل سلامة تدوم ، وهؤلاء القوم يقاتلونكم على دينكم ودنياكم ، فإن غلبوكم فلا دين لكم ولا دنيا ، فقاتلوهم على ما يقاتلونكم عليه - والسلام - قال : فأجابه الناس على ما يحب واعتذروا إليه مما كره ، فأنشأ المغيرة بن حبناء التميمي في ذلك يقول : يعلمنا المهلب كل يوم * قتال القوم تعليم الكتاب ويلبسنا السلاح إذا أمنا * لنحذق لبسه والنقع كأب وعاب حياتنا بالجن حتى * كأن حياتنا دين المعاب ويجزي المحسنين بما أتوه ، ويعفي المذنبين من العتاب

--> ( 1 ) بالأصل : منهزمون . ( 2 ) بالأصل : " التوسد خان " وما أثبت عن معجم البلدان ، ونوبندجان : مدينة من أرض فارس من كورة سابور . ( 3 ) بالأصل : تحثه .